ابن أبي الحديد
240
شرح نهج البلاغة
يذهب إلى رأى مفرد ، لا يوافقه عليه غيره منهم ، فإنه إلى ذوي الكثرة أميل ، وعن ذي الرأي الشاذ المنفرد أبعد ، وعلى إن عليا عليه السلام لم يولد في دار الاسلام ، وإنما ولد في دار الشرك وربى بين المشركين ، وشاهد الأصنام ، وعاين بعينه أهله ورهطه يعبدونها ، فلو كان في دار الاسلام لكان في القول مجال ، ولقيل انه ولد بين المسلمين ، فإسلامه عن تلقين الظئر وعن سماع كلمة الاسلام ومشاهدة شعاره لأنه لم يسمع غيره ، ولا خطر بباله سواه ، فلما لم يكن ولد كذلك ، ثبت إن اسلامه اسلام المميز العارف بما دخل عليه . ولولا أنه كذلك لما مدحه رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ، ولا أرضى ابنته فاطمة لما وجدت من تزويجه بقوله لها زوجتك أقدمهم سلما ، ولا قرن إلى قوله ( وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما ) ، والحلم العقل ، وهذان الأمران غاية الفضل ، فلو لا انه أسلم اسلام عارف عالم مميز لما ضم اسلامه إلى العلم والحلم اللذين وصفه بهما وكيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مثابا عليه ، ولا معاقبا به لو تركه ، ولو كان اسلامه عن تلقين وتربية لما افتخر هو عليه السلام [ به ] ( 1 ) على رؤوس الاشهاد ، ولا خطب على المنبر ، وهو بين عدو ومحارب ، وخاذل منافق ، فقال انا عبد الله وأخو رسوله وانا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ، صليت قبل الناس سبع سنين ، وأسلمت قبل اسلام أبى بكر ، وآمنت قبل ايمانه فهل بلغكم أن أحدا من أهل ذلك العصر أنكر ذلك أو عابه أو ادعاه لغيره ، أو قال له إنما كنت طفلا أسلمت على ( 2 ) تربية محمد صلى الله عليه وآله ذلك ، وتلقينه إياك ، كما يعلم الطفل الفارسية والتركية منذ يكون رضيعا فلا فخر له في تعلم ذلك ، وخصوصا في عصر قد حارب فيه أهل البصرة والشام والنهروان ، وقد اعتورته الأعداء وهجته الشعراء ، فقال فيه النعمان بن بشير :
--> ( 1 ) تكملة من ا . ( 2 ) ( عن ) .